محمد جواد مغنيه

299

الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة

كالوجوب أو التحريم ، ويبلغه لنبيه ، وبعد أن يعمل النبي وأمته بموجبه يرفع اللّه هذا الحكم وينسخه ويجعل في مكانه حكما آخر ، لإنهاء الأسباب الموجبة لبقاء الأول واستمراره ، وهذا النوع من النسخ ليس بعزيز ، فإنه موجود في الشرائع السماوية والوضعية ، واستدل المسلمون على جوازه ووقوعه بأدلة ، منها أن الصلاة كانت في بدء الإسلام لجهة بيت المقدس ، ثم نسخت ، وتحولت إلى جهة البيت الحرام ، كما نطقت الآية 144 من سورة البقرة : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . ونتساءل : إذا جاز النسخ على اللّه بهذا المعنى في الأمور التشريعية فهل يجوز عليه ذلك في الأشياء الكونية والطبيعية ، وذلك بأن يقدر اللّه ويقضي بإيجاد شيء في الخارج ، ثم يعدل ويتحول عن قضائه وإرادته ؟ اتفق المسلمون جميعا على عدم جواز النسخ في الطبيعيات ، لأنه يستلزم الجهل وتجدد العلم للّه ، وحدوثه بعد نفيه عنه . تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، ويسمى هذا بالبداء الباطل ، وقد نسبه البعض إلى الإمامية جهلا أو تجاهلا ، رغم تصريحاتهم المتكررة بنفيه . روى الشيخ الصدوق في كتاب « إكمال الدين وإتمام النعمة » عن الإمام الصادق أنه قال : من زعم أن اللّه عز وجل يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرءوا منه . وبعد أن نفى المسلمون جميعا البداء بهذا المعنى أجازوا بداء لا يستدعي الجهل وحدوث العلم لذات اللّه ، وهو أن يزيد اللّه في الأرزاق والأعمار ، أو ينقص منهما بسبب أعمال العبد ، قال المفيد شيخ الشيعة الإمامية في كتاب « أوائل المقالات » باب القول في البداء والمشيئة : « البداء عند الإمامية هو الزيادة في الآجال والأرزاق ، والنقصان منهما بالأعمال » . وتدل على هذا الآية 60 من سورة غافر : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ . وروى الترمذي في سننه باب لا يرد القدر إلا الدعاء أن النبي قال : لا يرد القضاء إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر « 1 » .

--> ( 1 ) انظر كتاب « البيان في تفسير القرآن » للسيد الخوئي ص 277 .